الآلوسي

61

تفسير الآلوسي

عند ابتداء دخولهم حيث دخلوا عليه عليه الصلاة والسلام بغير إذن وفي وقت لا يطرق في مثله ، وتعقب بأنه لو كان كذلك لأجابوا حينئذٍ بما أجابوا به ولم يكن عليه السلام ليقرب إليهم الطعام ، وأيضاً قوله تعالى : * ( فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ) * ظاهر فيما تقدم ؛ ولعل هذا التصريح كان بعد الإيجاس . وقيل : يحتمل أن يكون القول هنا مجازاً بأن يكون قد ظهرت عليه عليه الصلاة والسلام مخايل الخوف حتى صار كالقائل المصرح به ، وإنما لم يذكر هنا تقريب الطعام اكتفاءً بذكره في غير هذا الموضع كما لم يذكر رده عليه السلام السلام عليهم لذلك ، وقد تقدم ما ينفعك هنا مفصلاً في هود فتذكره . * ( قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ) * . * ( قَالُوا لاَ تَوْجَلْ ) * لا تخف وقرأ الحسن * ( لا توجل ) * بضم التاء مبنياً للمفعول من الإيجال ، وقرئ * ( لا تواجل ) * من واجله بمعنى أوجله و * ( لا تاجل ) * بإبدال الواو ألفاً كما قالوا تابة في توبة . * ( إنَّا نُبَشِّرُكَ ) * استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل فإن المبشر لا يكاد يحوم حول ساحته خوف ولا حزن كيف لا وهي بشارة ببقائه وبقاء أهله في عافية وسلامة زماناً طويلاً . * ( بغُلاَم ) * هو إسحاق عليه السلام لأنه قد صرح به في موضع آخر ، وقد جعل سبحانه البشارة هنا لإبراهيم وفي آية أخرى لامرأته ولكل وجهة ، ولعلها هنا كونها أوفق بإنباء العرب عما وقع لجدهم الأعلى عليه السلام ، ولعله سبحانه لم يتعرض ببشارة يعقوب اكتفاءً بما ذكر في سورة هود ، والتنوين للتعظيم أي بغلام عظيم القدر * ( عَليم ) * ذي علم كثير ، قيل : أريد بذلك الإشارة إلى أنه يكون نبياً فهو على حد قوله تعالى : * ( وبشرناه بإسحاق نبياً ) * . * ( قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَى أَن مَّسَّنِىَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ) * . * ( قَالَ أَبَشَّرْتُمُوني ) * بذلك * ( عَلَى أَنْ مَسَّني الْكبَرُ ) * وأثر في والاستفهام للتعجب ، و * ( على ) * بمعنى مع مثلها في قوله تعالى : * ( وآتى المال على حبه ) * ( الحجر : 54 ) على أحد القولين في الضمير ، والجار والمجرور في موضع الحال فيكون قد تعجب عليه السلام من بشارتهم إياه مع هذه الحال المنافية لذلك ، ويجوز أن يكون الاستفهام للإنكار و * ( على ) * على ما سمعت بمعنى أنه لا ينبغي أن تكون البشارة مع الحال المذكورة . وزعم بعض المنتمين إلى أهل العلم أن الأولى جعل * ( على ) * بمعنى في مثلها في قوله تعالى : * ( ودخل المدينة على حين غفلة ) * ( القصص : 15 ) وقوله سبحانه : * ( واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ) * ( البقرة : 102 ) لوجهين الاستغناء عن التقدير وكون المصاحبة لصدقها بأول المس لا تنافي البشارة ، وهو لعمري ضرب من الهذيان كما لا يخفى على إنسان . ثم إنه عليه السلام زاد في ذلك فقال : * ( فَبمَ تُبَشِّرُونَ ) * أي فبأي أعجوبة تبشرون أو بأي شيء تبشرون فإن البشارة بما لا يقع عادة بشارة بغير شيء . وجوز أن تكون الباء للملابسة والاستفهام سؤال عن الوجه والطريقة أي تبشرون ملتبسين بأي طريقة ولا طريق لذلك في العادة . وقرأ الأعرج * ( بشرتمون ) * بغير همزة الاستفهام ، وابن محيصن * ( الكبر ) * بضم الكاف وسكون الباء . وقرأ ابن كثير بكسر النون مشددة بدون ياء على إدغام نون الجمع في نون الوقاية والاكتفاء بالكسرة عن الياء . وقرأ نافع بكسر النون مخففة ، واعترض على ذلك أبو حاتم بأن مثله لا يكون إلا في الشعر وهو مما لا يلتفت إليه ، وخرج على حذف نون الرفع كما هو مذهب سيبويه استثقالاً لاجتماع المثلين ودلالة بإبقاء نون الوقاية على الياء . وقيل : حذفت نون الوقاية وكسرت نون الرفع وحذفت الياء اجتزاءً بالكسرة وحذفها كذلك كثير فصيح وقد قرىء به في مواضع عديدة ، ورجح الأول بقلة المؤنة واحتمال عدم حذف نون في هذه القراءة بأن يكون اكتفى بكسر نوع الرفع من أول الأمر خلاف المنقول في كتب النحو والتصريف وإن ذهب إليه بعضهم .